الخطيب الشربيني
178
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
إنّ النار لا تؤثر فيه ، والمرجان صغار اللؤلؤ وأشدّه بياضا ؛ وقيل : شبه لونهنّ ببياض اللؤلؤ مع حمرة الياقوت لأنّ أحسن الألوان البياض المشرب بحمرة . قال ابن الخازن : والأصح أنه شبههن بالياقوت لصفائه فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استضأته لرأيت السلك من ظاهره لصفائه . قال عمرو بن ميمون : إنّ المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من وراء الحلل كما يرى الشراب الأحمر من الزجاجة البيضاء : يدل على صحة ذلك ما روي عن ابن مسعود عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها » « 1 » ، وذلك لأنّ الله تعالى يقول : كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ ، فأمّا الياقوت : فإنه حجر لو أدخلت فيها سلكا ثم استضأته لرأيته من ورائه ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر » « 2 » ؛ زاد في رواية « ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دريّ في السماء إضاءة لا يبصقون فيها ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوّطون ؛ آنيتهم الذهب والفضة ، وأمشاطهم الذهب ، ومجامرهم الألوّة » أي : بخورهم العود ورشحهم المسك ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد » « 3 » . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما أي : المالك الملك المربي ببدائع التربية تُكَذِّبانِ أبما جعله مثالا لما ذكر من وصفهنّ أم بغيره ؟ . هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ أي : بالطاعة من الإنس والجن وغيرهما إِلَّا الْإِحْسانُ أي : بالثواب ؛ وقال ابن عباس : هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا الجنة ؛ وعن أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ثم قال : « أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة » « 4 » . وروى الواحدي بغير سند عن ابن عمر وابن عباس : أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال في هذه الآية : « يقول الله عز وجل هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحظيرة قدسي برحمتي » « 5 » . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما الكريم الرحيم الجامع لأوصاف الكمال تُكَذِّبانِ أبشيء من هذه النعم الجزيلة أم بغيرها ؟ . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 62 إلى 72 ] وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ( 62 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 63 ) مُدْهامَّتانِ ( 64 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 65 ) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ( 66 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 67 ) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 69 ) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ( 70 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 71 ) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 )
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في بدء الخلق حديث 3245 ، 3246 ، ومسلم في الجنة حديث 2834 ، والترمذي في الجنة حديث 2537 . ( 2 ) انظر الحاشية التالية . ( 3 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث 3245 ، 3246 . ( 4 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 6438 ، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان 1 / 233 . ( 5 ) أخرجه الواحدي في الوسيط 4 / 227 ، والبغوي في تفسيره 4 / 343 .